أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
497
قهوة الإنشاء
ومذ نشأت لم استظلّ بغير أبياته ، ولا نوّعت حلاوات نظمي إلا من قطر نباته ، وأنا أول معترف له بالرق في سوق رقيقه ، والجاني ثمر الأدب من أغصانه النباتية والمتنزه بين مزهره « 1 » ووريقه ، ولا واللّه لم ألتفت إلى تحريم الحلّي ولا إلى العرض الفاني من درر بحوره ، ولا همت « 2 » في رياض الأدب إلا بسجع مطوّقه على زهر منثورة . وقد جمعت هذه النبذة من نظمي ونظمه لا مجاريا بعاصي حماة بحر النيل ، غير أن بينهما نسبة المائية ، والموجب لعلة الضمّ هي هذه الجنسية . وإذا كان لا بد لمحمد من خليفة فأبو بكر أحق بالخلافة المحمدية ، . هذا مع علمي أن النبات الحموي يحلو في مصر مكررة ، وقربه من القطر النباتي يعرفه الذوق السليم ولا ينكره ، وسميتها بيوت العشرة لأن القصائد خمسة من نظمي وخمسة من نظمه ، والتورية بين محمد وأبي بكر وبيوت العشرة لا تخفى على المستضيء بنور فهمه ، واللّه الموفق للصواب ، وبه المستعان وإليه المآب . ومن إنشائي « 3 » خطبة ديواني التي لم تتنزل براعتها لناظم في حساب ديوانه ، ولا ظفر بها أحد من عصره وزمانه ، والبراعة : الحمد للّه الذي لا يحصر مجموع فضله ديوان ، ولا يقابل تذكرة جبره بالنسيان . علمنا البيان فعلمنا أنه بديع السماوات والأرض ، وسنّ مواضي عقولنا فقطعنا أن عبادته فرض . نحمده حمد من سقي دوح فكره بماء الأدب فأثمر المعاني ، ونشكره شكر من أطرب بنظمه المفرد أهل المثالث والمثاني . نعّم مرقص الأدب ومطربه في الأسماع ، أبلغ من آلة الطرب السماع ، وقد أشار إلى صاحب الوشي المرقوم ، في حلّ المنظوم ، بقوله : « ولو أنصف أهل العقول لعلموا أن القلم مزمار المعاني » ، كما أن أخاه في النسب مزمار المغاني ، فهذا يأتي ببدائع الحكم ، كما يأتي ذلك بغرائب النغم ، وكلاهما شيء واحد في الإطراب ، غير أن هذا يلعب بالأسماع وهذا يولع بالألباب ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة هي ذخري يوم المعاد ومطلوبي ، ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي قال : « أدّبني وربّي وأحسن تأديبي » .
--> ( 1 ) مزهره : طب : مثمرة . ( 2 ) همت : قا : هممت . ( 3 ) ومن إنشائي : طب ، ق : ومن إنشائه فسح اللّه في أجله ؛ قا : ومن إنشائه رحم اللّه تعالى ؛ نب : ومن إنشائه .